السيد محمد باقر الخوانساري
361
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
والعشاء وما ذاك الّا لانّه ضبط أوقاته بتمامها وكانت هذه الفترة بغير ورد فزيّن الأوراد بختامها ، وامّا المعقول فقد انق فيه من الابداع ما أراد ، وسبق فيه الأنداد والافراد وان تكلّم في علم الأوائل يعنى به السّير والتّواريخ بهّج الأذهان والألباب ، وولج منها كلّ باب . وامّا علوم القرآن العزيز ، وتفاسيره من البسيط والوجيز ، فقد حصل من فوائدها وحازها وعرف حقايقها ومجازها ، وعلم إطالتها وإيجازها ، وامّا الهيئة ، والهندسة ، والحساب ، والميقات ، فقد كان له فيها يد لا تقصر عن الآيات ، وامّا السّلوك والتّصوّف ، فقد كان له فيه تصرّف وأي تصرّف . وبالجملة فهو عالم الأوان ومصنّفه ، ومفرّض ! البيان ومشنفه بتأليف كانّها الخرائد ، وتصانيف أبهى من القلائد ، وضعها في فنون مختلفة وأنواع ، واقصعها ما شاء من الإتقان والابداع ، وسلك فيها مسلك المدققين ، وهجر طريق المتشدّقين ثمّ إلي أن قال اعزّ فاصرف فيه همّته فيه خدمة العلم وأهله ، فحاز الحظّ الوافر لما توجّه إليه بكله ولقد كان مع علوّ رتبته وسموّ منزلته على غاية من التّواضع ، ولين الجانب ، ويبذل جهده مع كلّ وارد في تحصيل ما يبتغيه من المطالب ، إذا اجتمع بالأصحاب عدّ نفسه كواحد منهم ، ولم تمل نفسه إلى التّميز بشئ عنهم ، حتّى انّه كان يتعرّض إلى ما يقتضيه الحال من الاشغال ، من غير نظر إلى حال من الأحوال ولا ارتقاب لمن يباشر عنه ما يحتاج اليه من الأموال . ولقد شاهدت منه سنة ورودى إلى خدمته انّه كان ينقل الحطب على حمار في اللّيل لعياله ، ويصلّى الصّبح في المسجد ويشتغل بالتّدريس بقيّة نهاره ، فلمّا أشعرت منه بذلك كنت أذهب معه بغير اختياره ، وكنت استفيد من فضائله وأرى من حسن شمائله ، ما يحملني على حبّ ملازمته ، وعدم مفارقته ، وكان يصلّى العشاء جماعة ، ويذهب لحفظ الكرم ، ويصلّى الصّبح في المسجد ويجلس للتّدريس والبحث كالبحر الزّاخر ، ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر .